الحق؛ عقيدة وجهاد – بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

الحق؛ عقيدة وجهاد – بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

الحق هو الله سبحانه، ومنه يبدأ وإليه يعود، قال جل في علاه (فتعالى الله الملك الحق)، وقال سبحانه (له دعوة الحق)، وقال تعالى (والله يقضي بالحق). وهو سبحانه الذي أرسل رسوله وصفوة خلقه بالحق (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)، وأنزل الكتاب بالحق تبياناً لكل شيء (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). والله سبحانه جعل الإنسان خليفته في الأرض ليعلي كلمة الله، وليتحمل الأمانة وتبعاتها بالحق، وقد حدد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم معالم دعوة الحق؛ عقيدة وجهاداً ورسالة، وذلك حين أطلق كلمة الحق مجلجلة عندما دخل مكة يلقي بالطواغيت أرضاً ويقول (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً)، فكلمة الحق كانت ولاتزال وستستمر بإذن الله مدويّة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إنّ كلّ من عرف الحق واستظل بظلاله عن إيمان ويقين، واستقام عليه وذاد عن حياضه، انطبق عليه قول الحق سبحانه (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)، فسمّاهم الله تعالى رجالاً تعبيراً عن قوة تمسكهم بعقيدتهم وهويتهم، ووصفهم بالصدق لأنّهم نصروا الحق وصبروا على الأذى فكان انتصاراً للحق في نفوسهم، وحينما صبروا على أمر الله بالجهاد كان انتصاراً للحق على عدوهم.
إنّ الصراع بين الحق والباطل بدأ مع بداية البشرية، حينما أمر الله سبحانه إبليس بالسجود لآدم عليه السلام فأبى واستكبر، وأُهبط الأرض مطروداً من رحمة الله وهو يحمل الحقد والحسد على الإنسانية كلّها يوقع بينها الشرور، ويربي فيها الأحقاد، ويعمل على تكثير أتباعه إشعالاً لنار الحرب والفساد في الأرض. لذلك فقد وجب على أهل الحق إعداد قوة تواجه الباطل، وتحمي الحق، وتظهر هيبته، حتى لا يكون لدى الباطل أمل بالتغلب عليه. وتعيّن عليهم إعداد المسلم الراسخ في إيمانه، المتمسك بهويته، المعتصم بحبل الله المتين، المتمكّن من العلم والمعرفة بمقتضيات عصره، الصلب في إرادته، المقتحم للمصاعب بعزيمة لا تنثني، يضحي في سبيل الحق، ويهب حياته للدفاع عن عقيدته والذود عن أرضه ووطنه.
لقد انتدب الله سبحانه أهل الحق لجهاد الباطل وأهله، ولينهضوا بهذه المسئولة ويتحملوا التبعات، قال تعالى (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم)، هم بجهادهم في سبيل الله، تظللهم رحمات الله وبركاته هدايةً وإحساناً وفوزاً بخيري الدنيا والآخرة، قال سبحانه (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). وهم جند الله في أرضه، يدافعون عن كل معنى كريم وعن كل هدف عظيم، يخاطبهم الله سبحانه منّة وتكريماً، يجبر خاطرهم ويسدد جهادهم، ويعدهم ووعده الحق ويبشرهم (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). فلا يتسرب الوهن والضعف الى قلوبكم أيها المجاهدون الصابرون المحتسبون، وأنتم ترون تخاذل الناس من حولكم واصطفافهم خلف الباطل؛ يطبّعون مع الغاصبين، ويتحالفون مع القتلة المجرمين، وحسبكم ما اخبر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عنكم بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك). واستمروا في جهادكم وارتقائكم في درجات الرضا والفضل من الله سبحانه في الدنيا والآخرة، فإما النصر وإما الشهادة. والموت في سبيل الله هو الحياة التي لا تساويها حياة، قال تعالى: (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليه ولا هم يحزنون)، والجهاد لإعلاء كلمة الحق، وما يُبذل من وتعب وصبر ومشقة ودم، كله مدخر عند الله سبحانه لا يضيع منه شيء بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة.
إن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة، فأهل الباطل تسلطوا على البلاد والعباد إلا من رحم ربي، وكثر أتباعهم، واتحدوا وسخروا كل إمكاناتهم للقضاء على قضية الإسلام الأولى فلسطين المسجد الأقصى. وهم ينتهجون لتحقيق أهدافهم تشويه عقيدة الإسلام وتمييع هويته، وهدم قيمه وأخلاقه لتتناسب مع مسارات التطبيع، وتتوائم مع نفاقهم وخيانتهم وتبعيتهم الذليلة للعدو الصهيوني.
إن مهمة أهل الحق في شرّ الأزمان هذا الذي كثرت فيه الفتن والقتل والقلاقل والأراجيف المغرضة، هو مواجهة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وما يستلزم ذلك من دعم لقوى المقاومة مادياً ومعنوياً، وتثبيت أهل فلسطين في أرضهم، ومواجهة كل اعتداء على مجتمعاتنا ومبادئنا وهويتنا، وإسكات الأبواق المضللة والحاقدة، وإفشال كافة وسائل الخبث والتأثير، ومنع استغلال ذوي النفوس الضعيفة في ترويج سمومهم الفتاكة لتدمير شبابنا بالإباحية والمخدرات والأفكار، ليصبحوا كالدمية في أيديهم لتحقيق مآربهم.
إن من شيم جند الله اليقظة والهمّة العالية، والعبادة والخشية، يتمثلون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله). ورحم الله السلف الصالح لهذه الأمة الذين أعلوا كلمة الحق وضحوا بأنفسهم وأموالهم وحافظوا على سلامة الدين وعز الوطن، وصانوا الحريات وأدوا الأمانات، وما نحن إلا أحفاد الأبطال. وإن الأمل بالله سبحانه ووعده تعالى حق لاريب فيه، ثمّ الأمل معقود على رجال المقاومة والجهاد والصبر والصمود وبالأخص في فلسطين وأكناف فلسطين، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، فالجهاد باق إلى يوم القيامة، وأهل الحق باقون لأن الصراع بين الحق والباطل باق ما بقي الإنسان على ظهر الأرض والعاقبة للمتقين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*