الحظ السيئ يلاحق الناطورة الصيداوية “أم محمد”

الحظ السيئ يلاحق الناطورة الصيداوية “أم محمد”

“أمّ محمد” قلعاوي، صيداوية متعفّفة لم تخجل أن تعمل ناطورة لأحد المباني التجارية وسط شارع رياض الصلح في صيدا منذ سنوات مع زوجها وبعد وفاته، كي تكسب قوت يومها وتؤمّن ايجار منزلها في صيدا القديمة، وتوفّر لقمة عيش عائلتها المؤلّفة من شاب وثلاث بنات في ظلّ أوضاع خانقة، حيث لم تكفّ الأزمات المعيشية والاقتصادية عن مطاردتها وشدّ الخناق عليها، لتبلغ ذروتها مع جائحة “كورونا” والغلاء وارتفاع الاسعار، فقرّرت مواجهتها بوضع “كشك” صغير لتسترزق منه.

وقلعاوي التي حرمت نفسها لتؤمّن لأبنائها الحياة الكريمة والتعليم الجامعي، تزاول عملها منذ الفجر، تنظّف مدخل البناية قبل أنْ يصل الموظّفون إلى عملهم، وتقف قرب الكشك، تبيع الدخان والشوكولا ولا تفارق المكان حتى ساعات المساء تقريباً، تقول لـ”نداء الوطن”: “عشت يتيمة وتركت دراستي وحملت هموم الحياة الشاقة لأربّي وأعلّم إخوتي، ثم تزوّجت وأنجبتُ اربعة أولاد وتوفّي زوجي، وبينهما رحلة شاقّة لا توصف، كانت أصعبها خلال الاجتياح الإسرائيلي لبنان العام 1982، حيث أُسِرَ زوجي، واستشهد طفلي البكر، ودُمِّرَ بيتي، وما زالت رحلة العذاب مستمرّة لغاية الآن”. “الحظ السيّئ يلاحقني مثل ظلّي”، تؤكّد “أم محمد” وهي تتمالك نفسها عن البكاء، تضيف: “متطلّبات الحياة فوق قدرتي، لدي ابنة مريضة وتحتاج الى دواء شهري وعليّ تسديد أجرة المنزل وتأمين الطعام والشراب، بينما راتبي لا يتجاوز 600 ألف ليرة لبنانية، اضافة الى ما أبيعه في “الكشك” وهو لا يكفي. ولدي الوحيد يبيع السمسمية والسكاكر في كرتونة، متجوّلاً بين أحياء صيدا وحاراتها وشوارعها لتأمين مصروفه الشخصي، فيما بناتي لا يعملن لأنهنّ، سابقاً، كنّ بحاجة إلى الوساطة في هذا البلد، والآن مع ارتفاع نسبة البطالة واقفال المؤسسات والمعامل، الوضع اسوأ”.

في صيدا، لم يعد نزول الأمّهات وبخاصة الأرامل منهنّ الى سوق العمل غريباً، في ظلّ تردّي الأوضاع المعيشية والفاقة، كثيرات يعملن في المؤسسات ودور الرعاية والمكاتب، متعفّفات قرّرن الحفاظ على كرامتهنّ بعيداً من ذلّ السؤال، وِفق ما تقول إحداهنّ والتي تعمل في مقرّ احدى الجمعيات الأهلية في التنظيف وإعداد القهوة والشاي، قبل أن تضيف: “العمل ليس عيباً، فخلف جدران مغلقة وبيوت متواضعة حكايات فقر لا تنتهي”. ومنذ تفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية، مروراً بالحراك الاحتجاجي الشعبي الذي اندلع في تشرين الأول من العام الماضي بهدف التغيير، وصولاً الى تفشّي “كورونا”، ارتفعت نسبة البطالة في المدينة بشكل مضطرد، وانعدمت القدرة الشرائية امام الغلاء وارتفاع الأسعار والدولار، وبادرت بلدية صيدا الى بلسمة الجراح وقدّمت مساعدات بنحو ثلاثة مليارات، ثم 100 مليون ليرة لبنانية للعائلات الفقيرة والمتعفّفة، حيث أكّد رئيس بلديتها محمد السعودي أكثر من مرّة أن “صيدا، ببلديتها وفاعلياتها وقواها السياسية والاجتماعية والتجارية، ستبقى يداً واحدة في مواجهة الأزمة المعيشية والوباء معاً”.

محمد دهشة – جريدة نداء الوطن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*